أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
71
العقد الفريد
قالت : واللّه ما اعرف هذا ولكن غيره . فغنت : فإن تقبلوا بالود أقبل بمثله * وأنزلكم منا بأكرم منزل قال : فدفع الباب ودخل ، وأرسل غلامه يحمل إليه حوائجه ؛ وقال : لعن اللّه الأهل والولد والضّيعة ! . خبر الذلفاء قال أبو سويد : حدثني أبو زيد الأسدي قال : دخلت على سليمان بن عبد الملك بن مروان ، وهو جالس على دكان مبلط بالرخام الأحمر ، مفروش بالديباج « 1 » الأخضر ، في وسط بستان ملتف ، قد أثمر وأينع ؛ وإذا بإزاء كل شقّ من البستان ميدان ينبت الربيع قد أزهر وعلى رأسه وصائف . كلّ واحدة منهن أحسن من صاحبتها ؛ وقد غابت الشمس ، فنضرت الخضرة ، وأضعفت في حسنها الزهرة ، وغنّت الأطيار فتجاوبت ، وسفت الرياح على الأشجار فتمايلت ؛ [ وقد حلي البستان ] بأنهار فيه قد شقّقت ، ومياه قد تدفقت : فقلت : السلام عليك أيها الأمير ورحمة اللّه وبركاته . وكان مطرقا ، فرفع رأسه وقال : أبا زيد ! في مثل هذا الحين يصاب أحد حيا ؟ قلت : أصلح اللّه الأمير ، أو قد قامت القيامة بعد ! . قال : نعم ، على أهل المحبة سرا والمراسلة بينهم خفية . ثم أطرق مليا ، ثم رفع رأسه فقال : أبا زيد ، ما يطيب في يومنا هذا ؟ . قلت : أعز اللّه الأمير ، قهوة صفراء ، في زجاجة بيضاء ، تناولها مقدودة هيفاء ، مضمومة لفّاء [ مكحولة ] دعجاء ، أشربها من كفها ، وأمسح فمي بفمها ! . فأطرق سليمان مليا لا يحير جوابا ، ينحدر من عينه عبرات بلا شهيق ؛ فلما رأت
--> ( 1 ) الديباج : ضرب من الثياب سداه ولحمته حرير .